محمد محمد أبو موسى
459
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
في هذا أن الجملة قد تقدم على الأخرى لأنها أدل على الغرض المسوق له الكلام . يقول في قوله تعالى : « وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ » « 119 » : « فان قلت : لم جاءت الأجناس الثلاثة على هذا الترتيب ؟ قلت : قدم ما هو أعرق في القدرة وهو الماشي بغير آلة مشى من أرجل أو قوائم ، ثم الماشي على الرجلين ، ثم الماشي على أربع » « 120 » . وقد تتقدم الجملة لأنها تدل على الأكثر عددا كما في قوله تعالى : « ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ، فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ » « 121 » يقول : « فان قلت : لم قدم الظالم ؟ ثم المقتصد ثم السابق ؟ قلت : للايذان بكثرة الفاسقين ، وغلبتهم ، وأن المقتصدين قليل بالإضافة إليهم ، والسابقون أقل من القليل » « 122 » . والآيات التي تتحدث عن نعم اللّه وتعددها قد يتقدم منها ما هو أكثر أثرا في حياة الناس المادية والروحية كما في قوله تعالى : « لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً » « 123 » يقول : « فان قلت : لم قدم احياء الأرض وسقى الأنعام على الأناسى ؟ قلت : لأن حياة الأناسى بحياة أرضهم وحياة أنعامهم ، فقدم ما هو سبب حياتهم وتعيشهم على مسقيهم ، ولأنهم إذا ظفروا بما يكون سقيا أرضهم ومواشيهم لم يعدموا سقياهم » وكما في قوله تعالى : « الرَّحْمنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ . عَلَّمَهُ الْبَيانَ . الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ » « 124 » يقول : « عدّد اللّه عز وعلا آلاءه فأراد أن يقدم أول
--> ( 119 ) النور : 45 ( 120 ) الكشاف ج 4 ص 195 . ( 121 ) فاطر : 32 ( 122 ) الكشاف ج 3 ص 458 . ( 123 ) الفرقان : 49 ( 124 ) الرحمن : 1 - 5